🤲 إنا لله وإنا إليه راجعون — ببالغ الحزن ننعى وفاة فطينة أسعد عليكو (أم خالد) · رحمها الله

التعليم والمدارس في الجانودية: ماضٍ وحاضر

📅 ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦ ✍️ إدارة موقع الجانودية ⏱️ 3 دقائق قراءة

مقدمة

التعليم في الجانودية قصة تستحق أن تُروى بفخر. من الكتاتيب القديمة حيث كان الشيخ يُعلّم الأطفال القرآن والقراءة والكتابة على ضوء شمعة، إلى المدارس الحديثة التي تخرّج منها أجيال من الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين — التعليم كان دائمًا من أولويات أهل البلدة. في مجتمع زراعي قد يبدو أن العمل في الأرض هو الأهم، لكن أهل الجانودية أدركوا مبكرًا أن العلم هو السلاح الأقوى لمستقبل أبنائهم.

بدايات التعليم: الكتاتيب

في العهد العثماني وما قبله، كان التعليم يعتمد على الكتاتيب الملحقة بالمساجد. يجلس الأطفال على الأرض في حلقة حول الشيخ (المعلّم)، يتعلّمون حفظ القرآن الكريم والقراءة والكتابة والحساب الأساسي. كانت الأدوات بسيطة جدًا — ألواح خشبية صغيرة يُكتب عليها بالحبر، تُمسح وتُعاد الكتابة عليها. لم يكن التعليم إلزاميًا ولا منظّمًا بمناهج رسمية، لكنه أسّس قاعدة معرفية أساسية في المجتمع وغرس حبّ التعلّم في نفوس الأطفال.

فترة الانتداب الفرنسي

مع فترة الانتداب الفرنسي (١٩٢٠-١٩٤٦)، بدأ التعليم الرسمي بالظهور في المنطقة. افتُتحت أولى المدارس الابتدائية الحكومية، وبدأت المناهج الرسمية تدخل القرى والبلدات. كانت البداية متواضعة — غرفة واحدة ومعلم واحد يدرّس عدة صفوف في آنٍ واحد. لكنها كانت بداية مهمة فتحت آفاقًا جديدة أمام أبناء الريف.

الأهالي الذين أدركوا أهمية التعليم النظامي بدأوا يُرسلون أبناءهم إلى المدرسة بدلاً من إبقائهم في الحقل. القرار لم يكن سهلاً — فالطفل العامل يُساهم في اقتصاد الأسرة — لكن الرؤية البعيدة تغلّبت على الحاجة اللحظية.

التعليم بعد الاستقلال

بعد استقلال سوريا عام ١٩٤٦، شهد التعليم توسّعًا كبيرًا في كل أنحاء البلاد بما فيها الأرياف. بُنيت مدارس أكبر وأحدث في الجانودية والقرى المحيطة — مدرسة ابتدائية ثم إعدادية. أصبح التعليم الابتدائي إلزاميًا ومجانيًا، ووصلت الكتب المدرسية والقرطاسية حتى أبعد القرى.

معلمو تلك الفترة كانوا شخصيات مؤثرة في المجتمع — يحظون باحترام كبير من الأهالي ويُعتبرون قدوة للأطفال. كثير من هؤلاء المعلمين جاءوا من المدن (حلب ودمشق وحمص) وعاشوا في البلدة وأصبحوا جزءًا من نسيجها الاجتماعي.

الجامعة: حلم كل عائلة

العديد من أبناء البلدة أكملوا تعليمهم الجامعي في جامعات حلب ودمشق واللاذقية وتشرين. بعضهم تخصّص في الطب والصيدلة والهندسة بفروعها، والقانون والأدب العربي والعلوم. العائلة التي يتخرّج منها طبيب أو مهندس تفتخر به البلدة بأكملها — وغالبًا ما يُصبح شخصية مرجعية يُرجع إليها في الشؤون العامة.

إرسال الابن إلى الجامعة كان يتطلّب تضحيات مالية كبيرة من الأسرة — إيجار سكن في المدينة ومصاريف معيشة وأقساط. لكن العائلات تكافلت لتمويل تعليم أبنائها، وكثيرًا ما ساعد الأخ الأكبر العامل في تمويل دراسة أخيه الأصغر.

المرأة والتعليم

من المميز في الجانودية أن تعليم البنات لم يكن محل جدل كبير مقارنة ببعض المجتمعات الريفية الأخرى. الأهالي شجّعوا بناتهم على التعليم منذ وقت مبكر نسبيًا، وتخرّجت من البلدة معلمات وطبيبات وصيدلانيات ومهندسات أثبتن كفاءة عالية. بل إن كثيرًا من أمهات البلدة كنّ هنّ من يُصررن على إرسال بناتهنّ إلى المدارس حتى في الأوقات الصعبة اقتصاديًا — لأنهنّ أدركن أن التعليم هو أفضل ضمان لمستقبل بناتهنّ.

التعليم في ظل الأزمة

مع اندلاع الأزمة السورية عام ٢٠١١، تعرّض التعليم لضربة قاسية. دُمّرت بعض المدارس، ونزح كثير من المعلمين والطلاب. لكن أبناء البلدة رفضوا الاستسلام — أقاموا مدارس بديلة في خيام ومبانٍ مؤقتة وأقبية، وتطوّع معلمون لتدريس الأطفال دون أجر أو بأجور رمزية. المنظمات الدولية ساعدت في توفير المناهج والقرطاسية.

في بلاد اللجوء، حرص الأهالي على إلحاق أطفالهم بالمدارس المحلية بأسرع وقت ممكن، مع تعزيز تعليم اللغة العربية والقرآن في المنزل والمراكز الإسلامية. أطفال الجانودية في ألمانيا وهولندا والسويد وتركيا يتعلّمون بلغات جديدة ويتفوّقون — دليل على أن جينات حبّ العلم تنتقل عبر الأجيال.

خاتمة

التعليم في الجانودية لم يكن مجرد وسيلة للحصول على شهادة ووظيفة — بل كان بوابة للتغيير والارتقاء والانفتاح على العالم. الأطباء والمهندسون والمعلمون والمحامون الذين خرجوا من هذه البلدة الصغيرة هم دليل حيّ على أن العزيمة والإصرار وإيمان الأهل بأبنائهم يمكن أن يتغلبا على كل الظروف والعوائق. 📚

🫒
ثبّت تطبيق الجانودية أضفه إلى شاشتك الرئيسية للوصول السريع