يرتفع جبل الأقرع (بالتركية: كل داغ) شامخًا على الحدود السورية التركية قرب مصبّ نهر العاصي في البحر المتوسط، ليبلغ قمّته 1,728 مترًا فوق سطح البحر. هذا الجبل الجيري ليس مجرد تضريس جغرافي، بل هو أحد أقدس الجبال في تاريخ البشرية، حمل عبر العصور أسماءً مختلفة كلّها تشهد على عظمته: «صافون» عند الكنعانيين، و«حازي» عند الحوريين والحثّيين، و«كاسيوس» عند اليونان والرومان.
اعتقد سكّان مملكة أوغاريت القديمة (رأس شمرا) التي تبعد 30 كيلومترًا جنوبًا أنّ قمة جبل صافون تضمّ قصرًا من اللازورد والفضة يسكنه الإله بعل (إله العواصف والخصب) وأخته عنات. تروي نصوص ملحمة بعل المكتشفة في أوغاريت في عشرينيات القرن الماضي كيف صارع بعل قوى البحر والموت من فوق هذا الجبل، في أساطير ألهمت لاحقًا قصّة زيوس وتيفون في الميثولوجيا الإغريقية. لقد وصفه المؤرخ البريطاني روبن لين فوكس بأنه «أوليمبوس الشرق الأدنى».
لم تقتصر قداسة الجبل على الكنعانيين وحدهم. فقد عبده الحوريّون باسم جبل حازي واعتبروه مقرًّا لإلههم تشوب إله العواصف. وعندما وصل الإغريق إلى المنطقة في القرن الثامن قبل الميلاد، نقلوا عبادته إلى «زيوس كاسيوس» — زيوس صاحب جبل كاسيوس. صعد إلى قمّته ملوك وأباطرة لتقديم القرابين: الإمبراطور الروماني تراجان نجا من زلزال مدمّر ضرب أنطاكية عام 115 ميلادي وهو على قمته، وابنه بالتبنّي هادريان عاد عام 130 ميلادي ليصعد الجبل ليلًا ويشهد شروق الشمس من القمة بينما الأرض تحته لا تزال غارقة في الظلام.
اليوم، يُشرف جبل الأقرع على الجانودية وقرى المنطقة من بعيد، وتتبدّى قمّته المكلّلة بالثلوج شتاءً كحارس أسطوري للبلدة. لا يزال تلّ الرماد الأثري على قمّته — بعرض 55 مترًا وعمق 8 أمتار — شاهدًا على آلاف السنين من الطقوس والعبادات، رغم أنّ التنقيب فيه توقّف لأنه يقع في منطقة عسكرية تركية على الحدود.
